السيد حيدر الآملي
293
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
إبليس أنّ الإنسان شيء غير هذا البدن المتكوّن عن الطين ، إذا ثبت ذلك فنقول : اعتراء الحميّة والتعزّز بالانتساب إلى عنصر النار نسبة مجازيّة ، إذا العادة جارية بأن يأنف الإنسان من الأصل الناقص وأن يفتخر ويتعزّز بالأصل الشريف والانتساب إليه ، فكان لسان حال إبليس والقوى المتابعة له يقول على جهة الاستنكار والاستكبار : أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون ، وأنا مخلوق من النّار الَّتي هي أشرف العناصر ، قالوا : ولمّا علم اللَّه ذلك من حال إبليس لعنه وطرده وأخرجه من الجنّة ، وذلك قوله تعالى : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ [ سورة الحجر : 34 - 35 ] . قالوا : وذلك انّك علمت أنّ الجنّة تعود إلى معارف الحقّ سبحانه ، والابتهاج بمطالعة أنوار كبريائه ، ودرجات الجنّة هي المراتب الَّتي ينتقل العقل فيها في مقامات السلوك إلى حظائر القدس ومجاورة الملاء الأعلى ، وعلمت أنّ حال الوهم قاصر عن الانتقال على تلك المراتب فطرده ولعنه وتحريم الجنّة عليه يعود إلى تكوينه على الطبيعة الَّتي هو عليها القاصرة عن إدراك العلوم الكلَّيّة الَّتي هي ثمار الجنّة وقطوفها والقضاء عليه بذلك قالوا : وممّا ينبّه على ذلك قوله : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ سورة الحجر : 39 - 40 ] . أي بما خلقتني على هذه الجبلَّة لا اهتدي لدخول الجنّة ولا أتمكّن منها لأجذبنّهم إلى المشتهيات وتزيين الملذّات الجاذبة لهم عن عبادتك حتّى لا يهتدوا إلى الجنّة الَّتي لأجلها خلقتهم ولا يلتفتوا إليها إلَّا من عصمته منّي وجعلت له سلطانا على قهري وغلبتي وهم عبادك المخلصون أي النفوس الكاملة المطهّرة عن متابعة قواها المسلَّط على قهر شياطينها وقهرها وكذلك قوله : قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ سورة الحجر : 36 ] . فإنّه لمّا كان البعث الأوّل هو مفارقة النّفوس لأبدانها وانبعاثها إلى عالمها وكانت طبيعة الوهم قاضية بمحبّة البقاء في دار الدنيا إذ لا حظَّ له في غيرها أحسن من لسان